الوصفة الشعرية للحمى المالطية

قال أبو هريرة رضي الله عنه : ذُكرت الحـمّى عند النبي صلى الله عليه وسلم فسبّها رجل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم  : ((  لا تسبها ، فإنها تــَنـْـفِي الذنوب كما تنفي النار خبث الحديد ))  خرجّه الألباني في صحيح ابن ماجه

قال ابن قيم الجوزية في الطب النبوي : ( وقال لي بعض فضلاء الأطباء إن كثيراً من الأمراض نستبشر فيها بالحمى . كما يستبشر المريض بالعافية )
أي أن الحمى وارتفاع الحرارة وما يصاحبها من تغيرات فإنها تفتح المسامات فتخرج منها بعض السموم بالجسم . فما يُشفى المريض بفضل الله من الحمى إلا وشُفي من أمراض عدة معها . وفي سنة 1426 أصبت بنوبة من الصداع مستمرة  ومشاكل أخرى . بقيت عندي حتى أصبت بالانفلونزا  وارتفاع دراجات الحرارة . فشُفيت بفضل الله منها جميعاً.

ولست هنا بمقام الطبيب لأصف لكم العلاجات والأسباب . فالطب الحديث له رجاله ونساؤه المهرة الأكفاء . إنما مقامي هنا للتأمل .

فالحمى بأنواعها غنية عن التعريف ، يخلطها كثير من الناس بالإنفلونزا (مع اختلاف أسبابهما) ، بل حتى الأطباء عند التشخيص الأولي . لتشابه أعراضهما من ارتفاع حرارة الجسم والآلام والصداع والخمول مع الهذيان !!

قال أبو الطيب المتنبي :
وملني الفراش وكأن جنبي      يملّ لقاءه في كل عامِ

يصف شاعرنا حاله عندما أصيب بهذا بالحمى المالطية في زمانه . فذكر كيف صار طريح الفراش مدة طويلة !!

ويصف ويقول :
عليل الجسم ممتنع القيام       شديد السُكْر من غيرِ المُدامِ !!

نــعـــم .. مريض الحمى والانفلونزا .. لا يقدر أن يتحرك ، ويدخل بحالة من الهذيان أشبه بحالة الـســُــكـْرِ .. (حفظكم الله)
فكم من الأمور نشاهدها ونقولها . ونشعر بأننا بمكان غير المكان الذي نحن فيه ونخاطب أشخاصاً آخرين بحالات الهذيان هذه ؟؟

ويستمر ويقول :

وزائرتي كأن بها حياءً      فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا    فعافتها وباتت في عظامي

تُعرف الحمى المالطية بحرارتها وأعراضها التي تصيب ليلاً وكذلك الإنفلونزا التي تحب أن تستعرض قوتها ومهارتها بصرع المريض ليلاً . مع أن أبا الطيب المتنبي فَرَشَ لها أفضل الفرش والبسط . إلا أنها أبت إلا جسمه  عندما يخلو بنفسه ليرتاح ليلاً !!! فما أجمل حياءها وما أقبح صنيعها !! .  ويستمر ويقول :

يضيق الجلد عن نفسي وعنها     فتوسعه بأنواع السقام !

استيطانها في الجسد وتسببها بالتهابات المفاصل وآلام الظهر من خصائصها التي تفننت فيها .. ولله درك يا متنبي على هذا الوصف .

كأن الصبح يطردها فتجري      مدامعها بأربعة سجامِ

يا سلام !! كأن الحمى تعشق جسد المتنبي لتبقى فيه مدة طويلة !! وإذا ما أطلت الشمس خافت منها وولت . فتصويره لها بدموعها ( الأربع أربع توصف كذلك لأن من كل عين تخرج دمعتان من طرفيها !  ) كناية عن شدة الحزن وكثرة الدموع .

جرحتِ مُجَرّحاً لم يبقَ فيه      مكان للسيوفِ ولا السهامِ

آآه أيها المتنبي .. يا لك من مسكين !!! لاحظوا كيف استعمل كلمة ( مُجرّح ) ولم يقل  كلمة ( مجروح )  . معاناة مستمرة نفسية وجسدية  بأسبابها الكثيرة من مشاكل مع الناس والوشاة وكثرة الأسفار والتنقلات  والمعارك والمضاربات . ومع ذلك لم يرحمه هذا المرض الذي لم يبقِ فيه أي موضع سليمٍ !! وفي هذا البيت إشارة إلى أن الشاعر صاحب معارك وقتال !! وسيأتي ذكر ذلك مع بقية الأبيات .
قال ابن القيم : وقد روي في أثر لا أعرف حاله  ( حمى يوم كفارة سنة ) وفيه قولان /
أحدهما : أن الحمى تدخل في كل الأعضاء والمفاصل وعدتها – ثلاثمئة وستون مفصلاً – فتكفر عنه بعدد كل مفصل ذنوب يوم
والثاني : أنها تؤثر في البدن تأثيرا لا يزول بالكلية إلى سنة .

والقول الأول يعضد وصف التنبي أنه لم يعد في جسمه أي مكان لأي وجع آخر :)

يقول لي الطبيب أكلتَ شيئاً       وداؤك في شرابك والطعامِ

أغلب الأمراض أسبابها الطعام أو الشراب . ومنها الحمى المالطية . إلا أن المعدة ليست الطريق الوحيد لهذا المرض ، فيمكن للبكتيريا البروسيلا أن تخترق جلد الإنسان وتستقر بهِ بعد الاحتكاك المباشر بالحيوانات المصابة . لذا يحذر المختصون من بقاياها وإفرازاتها بالمسالخ وأماكن عيشها .
وتعرفون جميعاً أن شرب حليب الأنعام مباشرة دون غليه وبسترته من مسببات هذا المرض .
ومع ذلك يرد المتنبي على طبيبه ويقول :

وما في طبه أني جواد     أضر بجسمه طول الجمامِ
تعود أن يغبر في السرايا    ويدخل من قتام في قتامِ

أي أن الطبيب لم يقل أن المتنبي كالحصان الأصيل الذي يضره طول البقاء والراحة ( الجمامِ من الاستجمام ) دون سفر ولا حركة ، فهو تعود أن يدخل في المعارك والحروب ، مع أننا عرفنا المتنبي شاعراً وليس مقاتلاً .  صحيح أنه مات مقتولاً بمعركة مع ابنه . إلا أن شعره باقٍ ما بقيت العربية خالدة .
فإن أمرض فما مرض اصطباري      وإن أحمم فما حم اعتزامي
وإن أسلم فما أبقى ولكن      سلمت من الحِمَامِ إلى الحِمَامِ

يقصد أنه بدنه إن مرض وتعب فصبره وعزمه باقيان لا يتعبان ولا يكلان .
وإن سلم من هذا المرض فهو لن يُخلد في هذه الدنيا . فإنه إن نجا من هذا الداء فلن ينجو سبب آخر مميت !! ( و الحِمَــام بهذا البيت يعني الموت )

وختاماً /

لعلي خلطت بين مرضين مختلفين . ولكني عشت أحاسيس آلافٍ من الناس وأنا منهم والمتنبي من قبلنا .
أتمنى أني اختصرت وأفدت وأتيت بجديد

والقصيدة فيها كثير من الحكم ( كعادة شاعرنا ) فمن أبياتها

ولم أرَ في عيوب الناس  شيئاً        كنقص القادرين على التمام .

رحمك الله أيها المتنبي ، ملأت النفوس شعراً فرنت أسماعنا طرباً ، كثير منا بالكاد يصف حالته أمام الطبيب ، أما أنت . فوصفت حالك ومرضك وداءك شعراً .
كم للشعر العربي من عظمة !!!
وإليكم قصيدة أبي الطيب المتنبي كاملة في اثنين وأربعين بيتا من البحر الوافر على هذا الرابط

———-

المراجع المطبوعة

الطب النبوي :: ابن قيم الجوزية – تحقيق الدكتور محمد الاسكندراني

ديوان أبي الطيب المتنبي

المراجع الالكترونية

ويكيبيديا الموسوعة الحرة
موقع  طبيب . كوم

موقع أدب

التعليقات

  1. قال

    اولا احمد الله على شفائي :wink:
    “فتكفر عنه بعدد كل مفصل ذنوب يوم” < يا اهلا وسهلا بالحمى :mrgreen:

    ما شاء الله تدوينه رائعه تعرفت على معلومات لم اكن اعرفها من قبل
    و بالفعل المتنبي وصف الحاله تماما خصوصا الآم العظام :cry:

    لكن عندي استفسار .. هل الحمى المالطية نفسها الحمى العادية ؟

  2. ع الـقــبـــــاني قال

    أهلا وسهلا بكِ زميلة العنود ..
    الحمى المالطية تختلف عن الحمى العادية طبعاً .. والانفلونزا كذلك .. بحسب معرفتي العرب أطلقت الحمى على كل مرض يرفع درجات حرارة الجسم .. ( حمى . من الحميم والحامي ) يعني الساخن !! :mrgreen: ومنها حركات الإحماء ( التسخين ) وأكيد تسمعين .. نحمي السيارة .. نحمي الأكل .. إلى آخره :idea:

    وعلى ردك يا أهلا وسهلا بالحمى .. قال ابن القيم في نفس الكتاب .
    زارت مكفرة الذنوب لصبها ……. أهلا بها من زائر ومودع
    قالت وقد عزمت على ترحالها : …. ماذا تريد ؟ فقلت : ألا تقلعي .

    بالمناسبة .. كتاب الطب النبوي هو أقسام من كتاب زاد المعاد .. يمكنك الاطلاع والاستزادة ..

  3. عبدالرحمن اليوسف قال

    أهلاااااا بالمواضيع :D

    لي عوده بعد القراءة إن شاء الله ..

    :mrgreen:

  4. قال

    رائع ما كتبت وأقتبست و أوافقكك الرأي . والحمد لله على سلامتك .
    و أضيف أن الحمى هي عرض و ليس مرض . :wink:

  5. butterfly قال

    :wink: موضوع رااااااااااائع واحسنت في اختيارك للاشعار …. ملاحظة \ انا مصابة بالحمى من سنة وللان لم اشفى منها ///

    • ع القباني قال

      أهلا وسهلا بك في مدونتك .

      ندعو الله عز وجل أن يطرح بصحتك البركة والخير وأن يجعلك سالمة معافاة من كل سوء .

      نورتِ الآفاق

    • A قال

      السلام عليكم
      لفت انتباهي ردك وكم اتمنى ان يصلك استفساري هذا لو انه متاخر جدا
      لماذا لم تذهب وبماذا عالجتي؟ انا جتني قبل سنوووات وعادت لها سنوات ولم يكتشفونها
      والان تعبت جدا معها واريد الحل من الله
      لكن مازلت ابحث عن علاج نهائي لها لو خارج السعودية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

:مممم: :wink: :twisted: :roll: :oops: :mrgreen: :lol: :idea: :hoo: :evil: :cry: :bra: :arrow: :?: :39a: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8) /// $: