ربيع القلوب

القلب : كائن عجيب وآية من آيات الله العظمى فهو يتوهج أحسايسَ ومشاعر كالشمس ، وشاعري كالقمر ، خلقه الله مخروطي الشكل ليكون حضنا وملاذاً ، يذكرني ميلانه بين الرئتين بجزيرتنا العربية ، ويذكرني وقوعه في منتصف الصدر في الجزء الأعلى من الجسم بالكعبة المشرفة قلب العالم في النصف الشمالي من الكرة الأرضية .


وصحيح أن للدماغ البشري السيادة الكاملة على الجسم ، إلا أن القلب سيد مُطاع له كلمته على جل أعضاء الإنسان بما فيهم الرأس ! وجاء في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه أنه قال : (( سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول : إلا وإن في الجسد مضغة ، إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت ، فسد الجسد كله . ألا وهي القلب ))

وهذا موضوعنا الثاني عن القلوب ، وأمراضها التي تنقسم لاثنين ، روحية وعضوية ، ولا يوجد شيء ينهك القلب روحياً وعضوياً مثل النوم الكثير وكثرة الشبع !!

فالنوم الكثير يضيع الوقت ويخفض معدل نبضات القلب ويجعله يعتاد على ذلك المعدل ، مما يصيب الخمول الشديد والبلادة في كل شيء ( من تفكير وأحساسيس ونشاط ) ، وأما الشبع وتأثيره ، فأولا أنه يكتم على القلب ويضيق حركته . وثانيها أنه يسبب خمولاً ويهيء الأسباب للأمراض المزمنة كالسكر والضغط والكولوسترول ، عفانا الله وإياكم منها :) .


انقر للتكبير



مستويات صحة القلب الإيمانية الثلاثة

قلب حي صحيح : قال الله تعالى : ( يوم لا ينفع مال ولا بنون ، إلا من أتى الله بقلب سليم ) أي نقي طاهر ، خالٍ من الشوائب والمكدرات ، خفيف النفس ، واسع ورحب ، لا يعرف إلا الكلم الطيب والعمل الصالح .

قلب ميت : لا ينكر منكرا ولا يعرف معروفاً ، تمر عليه الفتن كنسمة الهواء ولا يفرق بين صحيح وخطأ .

قلب عليل : إن غلب عليه الصحة فهو يتبع السليم ، وإن غلب عليه المرض فهو قاسٍ ، وربما هو بين وبين ، يخطئ فيستعفر ويتوب .

جمع الله تعالى القلوب الثلاثة بقوله :


من الأسباب

المدلسون ( من إنس وجان ) الذين يزينون الشبهات ويخلطون الحق بالباطل بمكر .

وأختصر لكم ما وصفه ابن الجوزي في كتابه ( تلبيس إبليس ) أن القلب كالحصن المنيع المليء بالإيمان وعليه حراس لا حد يقوى عليهم ، وبجوار هذا الحصن مأوى يجتمع فيه الأعداء ، فيشعلون النيران ويرسلون دخانها على الحراس ليشغلوهم ويضعفوا مناعتهم حتى يستولوا على الحصن . والمؤمن كيس فطن ، عليه ألا يغفل وأن يشدد الحراسة على قلبه من ذلك .

قصة

وفي زمن الدعوة المكية ، جاء رجل اسمه عقبة بن أبي معيط إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه الدعوة والقرآن الكريم ، فرقّ قلبه ومال للإسلام , فعلم بذلك صديقه أُبيّ بن خلف فنهره وأغلظ عليه القول وقال : وجهي لوجهك حرام ، وليته قال اترك مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، بل قال : إذا لم تتفل على محمدا !!

فصدقه وأطاعه عقبة ، ففعلها ولا حول ولا قوة إلا بالله . فنزلت الآيات الكريمات ، : (( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا () يا ويلتاه ليتني لم اتخذ فلاناً خليلا () لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ))


الأماني والهوى / إدمانها العميق والتفكير بـ(ـفلسفة الفارغة التي لا تستند على علم ) تأخذ الإنسان بتخيلاته للبعيد وقد يركبه الغرور والتعالي ويركب بحر الهوى فيغرق ،أو يشطح كثيراً ويأخذه جنون العظمة ، مثل فرعون .

قصة :

كان الخليفة هارون الرشيد يقرأ من كتاب الله حتى وصل إلى الآية : (( ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون )) فقال هارون الرشيد : لعنه الله ما كان أوضعه ، أدعى الربوبية بملك مصر ، والله لأولينها أخس عبيدي ، فصدر قرار الرشيد بتولي الخصيب ولاية مصر .

( لا نقصد هنا الفلسفة القائمة على علم والمكتملة بتطبيقات عملية )

ويزيد من ذلك وقوداً هو النظر الكثير ، فالنظر للمحرمات يولد الشهوات ، والنظر للناجحين إن لم يوقد الهمة فسيولد الحسد !!


الأمراض بإيجاز

النفاق والشكوك : وهو الذي ذكره الله تعالى في آيات عدة منها في سورة البقرة : (( في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا )) ، وقال أيضاً عن المنافقين : (( ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ))

وقال أيضا : (( لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ))

والآيات كثيرة تتكلم عن هذا ، فهؤلاء إن أتاهم الحق كذبوه وإن آتاهم الباطل صدقوه ، ويتبعون كل موجة وبعضهم يسميها تطوراً وإبداعاً وخروجا عن التقاليد .

وكصورة واضحة من العهد النبوي الشريف حينما كان المسلمون يتجهزون للقاء جيش الروم في تبوك التي كانت تحتاج تجهيزاً عسكريا واقتصادياً كبيراً ، فجاء خالد بن الوليد ووضع بين يدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تسعة أسياف تبرعاً منه ، فسخر منه المنافقون وقالوا : مرائي !!

ثم جاء رجل فقير لا يملك إلا صحن تمر يتبرع به ، فسخروا منه أيضاً وقالوا : ما ينفع هذا ؟؟

وسبحان الله ، أين هم ؟؟ من العون والمساعدة ، وأين ما يقدمونه من علم وعمل ؟؟ بل فقط قدموا الكلام باسم الفكر والنقد . وزماننا شاهد على كثير منهم .


الشهوات : الإنسان مفطور عليها وليس له بد فيها ، منها المباحات والمحرمات ، وبقدر الإمكان نسعى للابتعاد من المحرمات والاتزان بالمباحات .

والشيطان يسعى بكل طاقاته لتضليلنا ، فيخلط بينهما ويأتي بالحجج ويزين لنا .


قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه : (( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن ، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن ))

نعم .. قد يكون المذنب مسلماً لكن إيمانه يُعدم وجوده عندما يرتكب هذه الكبائر ، فلنجدد إيماننا .


الحسد والبغضاء : قال الله تعالى في القرآن الكريم على لسان عباده الصالحين : (( ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ))

والرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يحقد على أحد ، فهو صفح عن قريش ( قبل إسلامهم ) عندما فتح مكة المكرمة ، ونبي الله يوسف عليه السلام أعلنها لإخوته ( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين )

وكم نبي لاقى الأذى ، فما كان إلا أن قال : ( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون )

فهذا خلق الأنبياء الذين بلغوا كمال الإيمان وطهارة القلوب .



ويلخص ما سبق ما قاله الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله :

رأيت الذنوب تميت القلوب ::: وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب ::: وخير لنفسك عصيانها

وهل بدل الدين إلا الملوك ؟ ::: وأحبار سوء ورهبانها

لقد رتع القوم في جيفةٍ ::: يبين لذي العقل أنتانها


فالأول تكلم عن الشهوات وفي البيت الثاني عن العلاج والثالث تكلم عن مدلسي الأمور ومفسديها وختم بمن غرق بالمرض لدرجة فقدان الإحساس !!


مضاد حيوي منشط للمناعة

المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا ، وأصحاب الشهوات في سكر شديد . وما علمنا من حسود يذكر الله ، فإن قابلت إنساناً لسانه رطب بذكر الله فلا تخف منه ،فقط تذكر أنه غير معصوم .

وروى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت )) صحيح مسلم

وسأل الصحابي معاذ بن جبل رضي الله عنه الرسول صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أحب إلى الله ؟ فأجاب (( أن تموت ولسانك رطب بذكر الله )) العسقلاني

الغضب

فضلنا أن يكون له موضوع مستقل .



الجزء الثاني : أمراض نفسانية تصيب القلب .


ليس فينا أحد إلا وفيه ما يكفيه من هم أو حزن أو كمد ، فنحن بشر ، إما أن نحزن لفقد حبيب أو ظلم نتعرض له ، أو نغضب بأسباب تستحق الغضب .

فهل يوجد مؤمن هذه الأيام ليس موجوعاً بفلسطين أو بغيرها من بلاد المسلمين ؟

ومن طالت همته فقد طال همه .


ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة ، فكان من دعائه حين الكرب : (( لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب السماوات ، ورب العرش الكريم )) صحيح البخاري ومسلم


وأما الكآبة والضغوط النفسية انتشرت في كثير من الناس . ولا سبيل إلا بشيئين هو العلاج ، والقضاء على الأسباب

العلاج الأساسي

غذاء الروح هو الإيمان ، ودواءها هو القرآن

قال الله تعالى : (( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين )) يونس 57


والوقاية خير من العلاج ، فكما نجتنب الفيروسات ومخالطة المرضى ، فعلينا اجتناب ما نهانا الله عنه :)


فهل جربتم ذلك ؟

توكلوا على الله فنحن في العشر الأواخر من رمضان :)


الخميس 22 رمضان 1431 هـ


التعليقات

  1. احمد محمد عبدالرحمن عبدالعزيز قال

    لقد صح كلامك وحسن التنسيق للموضوع

    بالتوفيق اخى عبد العزيز

    • ع الـقــبـــــاني قال

      بارك الله فيك أخي الكريم ، أتشرف دائما بتعليقاتك وبحضورك

  2. قال

    رأيت الذنوب تميت القلوب ::: وقد يورث الذل إدمانها

    نعم وألف نعم .. إن الذنوب هي قاتلة القلوب ..
    لاريب . اذا نحن ابتعدنا عن الايمان وألهانا الهوان في دنيانا .
    سنعيش ذل لا يعلمه إلا الله . وسنصاب بداء الضنك . ليحق قول ربي سبحانه وتعال / ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ً ضنكا .. )

    بوركت اخي عبدالعزيز .. على هذه التدوينة ..
    ولا أخفيك . تمنيت إجازها أكثر . لكنها حقاً غزيرة بالعلم

    وفقك الله

    • ع القباني قال

      أهلا بجدو وليد .. تشرفت بمرورك .. صدقت أيها الأخ الكريم ..

      القلوب ومواضيعها كثيرة . تكفينا لنؤلف كتاباً عنها ..
      :)

      وكل عام وأنت بخير

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

:مممم: :wink: :twisted: :roll: :oops: :mrgreen: :lol: :idea: :hoo: :evil: :cry: :bra: :arrow: :?: :39a: :-| :-x :-o :-P :-D :-? :) :( :!: 8-O 8) /// $: